أعطت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخراً بخصوص إمكانية إعادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وسوريا وإظهار رغبته باستعادة العلاقة الشخصية مع الرئيس بشار الأسد على غرار ما كانت قبيل الحرب السورية انطباعاً قوياً بحدوث خرق في مسار الحوار التركي السوري. ويُعزز هذا الانطباع الرسائل الإيجابية المتبادلة بين أردوغان والأسد بعد إعلان الأخير انفتاح دمشق على جميع المبادرات الساعية لإعادة تطبيع العلاقات التركية السورية. وفي حين شكل اشتراط النظام على تركيا في السابق وضع جدول زمني لسحب قواتها من شمال سوريا عقبة رئيسية أمام الحوار، فإن استعاضة دمشق مؤخراً عن هذا الشرط بمطالبة أنقرة بإبداء التزام صريح بالانسحاب من سوريا لعب إلى جانب الجهود التي تقوم بها روسيا والعراق خلف الكواليس، دوراً رئيسياً في تحريك المياه الراكدة في مسار الحوار.
ويُنظر إلى الاجتماع التركي السوري المرتقب في بغداد على أنه سيُمهد لإطلاق عملية تفاوض طويلة بهدف التوصل إلى تفاهمات سياسية وميدانية حول مجموعة من الملفات المُهمة للطرفين مثل التعاون المشترك في مكافحة مشروع الحكم الذاتي لوحدات حماية الشعب الكردية، وعودة سيطرة النظام على المعابر الحدودية مع تركيا وإعادة فتح الطريق الدولي إم أربعة الرابط بين محافظتي حلب واللاذقية، فضلاً عن إعادة فتح طريق غازي عنتاب أمام حركة الترانزيت من مدينة إعزاز عند الحدود التركية شمال حلب إلى معبر نصيب عند الحدود الأردنية، ومنها إلى دول الخليج العربي. ومثل هذه التفاهمات المُحتملة ستُوفر بيئة مناسبة لرفع التطبيع التدريجي في العلاقات إلى المستوى السياسي.
منذ اندلاع الصراع السوري، شهدت سياسة تركيا فيه ثلاثة تحوّلات بارزة. الأول في عام 2016 عندما شنت أول عملية عسكرية في شمال سوريا ضد تنظيم داعش ولإجبار مسلحي وحدات “حماية الشعب” الكردية على الانسحاب من منطقة غرب الفرات، ولإقامة منطقة آمنة تحت إدارتها في شمال غرب البلاد بهدف الحد من اللجوء السوري إليها وتخفيف عبء اللجوء عليها من خلال تشجيع جزء من اللاجئين على مغادرة تركيا والاستقرار في هذه المنطقة. وتمثل التحول الثاني بعد ذلك بانخراط أنقرة في منصة أستانة مع روسيا وإيران لنقل الصراع بين النظام والمعارضة إلى مرحلة خفض التصعيد وتكريس وقف لإطلاق النار. أما التحول الثالث فبرز نهاية عام 2022 بانخراط أنقرة في حوار مع النظام برعاية روسيا ضمن الآلية الثلاثية قبل انضمام إيران إليها بهدف إعادة تطبيع العلاقات التركية السورية. وتعكس هذه التحولات مجتمعة الكيفية التي تحوّلات فيها السياسة التركية في سوريا من هدف الإطاحة بنظام الأسد في بداية الحرب إلى التركيز على مخاطر مشروع الحكم الذاتي للوحدات الكردية.
كغيرها من الدول، التي فرض عليها التدخل العسكري الروسي في سوريا منتصف العقد الماضي، إحداث تغيير في سياستها تجاه الصراع للتكيف مع التحولات التي طرأت عليه منذ تلك الفترة، صمّمت أنقرة هذه التحولات. مع ذلك، يظهر الهاجس من مشروع الحكم الذاتي للوحدات الكردية كأحد الدوافع الرئيسية التي فرضت على أنقرة التدخل العسكري المباشر في الصراع ثم الدخول في تعاون مع موسكو كوسيلة لتعزيز قدرتها على تقويض مشروع الحكم الذاتي في جانب، وكورقة ضغط على الولايات المتحدة لإجبارها على قطع علاقتها بالوحدات الكردية في جانب آخر. ومع أن التفاهمات التي أبرمتها تركيا مع كل من روسيا والولايات المتحدة في 2019، ساعدتها في خلق ستاتيكو عسكري في الشمال السوري قوّض من قدرة الوحدات الكردية على الاحتفاظ بمناطق سيطرتها في أجزاء من شرق الفرات، إلآّ أنها لا تزال مُكبلة بهذا الستاتيكو منذ تلك الفترة. بسبب المعارضة الروسية والأمريكية المزدوجة لتوسيع مناطق النفوذ التركي في شمال سوريا، اضطرت أنقرة إلى الدخول في عملية مساومات معقدة مع الطرفين لم تنجح بعد في توسيع الهامش لديها لتحقيق هدفها المتمثل بإبعاد الوحدات الكردية عن طول الشريط الحدودي بعمق ثلاثين كيلومتراً ونزع سلاحها.
ويُنظر في الغالب إلى شروع تركيا في حوار مع النظام منذ أكثر من عام ونصف على أنه مُصمم بدرجة أساسية لإقناع دمشق وحلفائها الروس والإيرانيين بالتعاون معها في تحقيق هدفها الأمني خصوصاً مع تمسك الولايات المتحدة بوجودها العسكري وبعلاقتها مع الوحدات الكردية. وحقيقة أن الوحدات تعتزم إجراء انتخابات للمجالس المحلية في الإدارة الذاتية الخاضعة لها بحكم الأمر الواقع في أغسطس آب المقبل، عززت الرغبة التركية في التوصل إلى تفاهم مع دمشق لإفشال خطوة الانتخابات ولتقويض مشروع الإدارة الذاتية. وتُعطي الرسائل الإيجابية المتبادلة مؤخراً بين أردوغان والأسد بخصوص المصالحة انطباعاً بوجود رغبة لدى الطرفين باستئناف مسار الحوار. مع ذلك، هناك فجوة كبيرة بين هذه الرسائل وبين الظروف الواقعية التي لا تزال تعمل كعقبة كبيرة أمام فرص تحقيقها. لكنّ الهاجس المشترك من مشروع “الإدارة الذاتية”والمزايا المتعددة والمختلفة، التي يتطلع لها الطرفان من المصالحة، يعملان على تقليص هذه الفجوة ويخلقان هامشاً لاتخاذ مبادرات جديدة محتملة بهذا الاتجاه.
إن الرهان على نجاح المبادرات الجديدة المُحتملة ينبغي أن يكون حذراً بالنظر إلى الظروف الواقعية. ولكن لا ينبغي التقليل من أهمية وتأثير المُحفزات وقدرتها في التغلب على هذه الظروف. تعكس مغازلة أردوغان للأسد الكيفية التي عمل بها الهاجس التركي من مشروع الحكم الذاتي للوحدات الكردية على إحداث استدارة كبيرة في السياسة التركية في سوريا. كما أنها أحدث مثال على دور براغماتية الرئيس التركي في إعادة تشكيل علاقات أنقرة بالشرق الأوسط.