منذ تأسيسه في عام 2012، برز حزب الشعوب الديمقراطي كأكبر حركة سياسية تُعبر عن الحالة الكردية في تركيا وقد استطاع دخول البرلمان للمرة الأولى في الانتخابات التشريعية منتصف العقد الماضي بحصوله على نحو ثلاثة عشر في المئة من الأصوات. لكنّه منذ تلك الفترة، ظلّ مهمّشاً إلى حد كبير في السياسة الداخلية التركية. لا يزال الرئيس المشارك السابق له صلاح الدين ديميرطاش يقبع في السجن منذ عام 2016 بتهم تتعلق بدعم الإرهاب. كما يُواجه الحزب قضية مرفوعة ضده أمام المحكمة الدستورية العليا للمطالبة بإغلاقه على خلفية اتهامات له بالارتباط بحزب العمال الكردستاني المُصنّف إرهابياً. لكنّ الحزب الكردي قد يكون صانع الملوك في الانتخابات التركية المقرر إجراؤها في الرابع عشر من مايو أيار المقبل. أعلن الحزب، الذي يقود ائتلافاً من مجموعة من الأحزاب اليسارية الأخرى الكردية الأربعاء أنه لن يُقدم مرشحاً خاصاً به في الانتخابات الرئاسية في تمهيد منه لدعم مرشح التحالف السداسي المعارض كمال قليجدار أوغلو. ومن شأن هذا الدعم أن يرفع حظوظ قليجدار أوغلو لهزيمة الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية.

نسب التصويت متقاربة للغاية بين كل من التحالف الحاكم بزعامة أردوغان وتحالف المعارضة السداسي بقيادة قليجدار أوغلو، وفق استطلاعات للرأي نُشرت مؤخراً، ما يعني حسابياً أن الدعم الانتخابي من جانب حزب الشعوب الديمقراطي لقليجدار أوغلو سيُمكنه من رفع رصيده الانتخابي بنسبة لا تقل عن 10% وهي القاعدة التصويتية المتوقعة للحزب الكردي. تموضع حزب الشعوب الديمقراطي في المنافسة الانتخابية يكتسب أهمية كبيرة على صعيدين. الأول، قد يؤدي دعم قليجدار أوغلو إلى مساعدة المعارضة في إنهاء عقدين من حكم الرئيس رجب طيب أردوغان. وثانياً، على الرغم من أن دعم حزب الشعوب للتحالف السداسي المعارض لا يزال محصوراً في الانتخابات الرئاسية، إلآّ أنه يُمهّد الطريق أمام الطرفين للتعاون في سبيل الحصول على غالبية برلمانية تُمكن أحزاب المعارضة مُجتمعة من تعديل الدستور وإلغاء النظام الرئاسي والتحول إلى نظام برلماني مُعزز. لا تزال معالم الصفقة التي توصل إليها قليجدار أوغلو مع الرئيسين المشاركين لحزب الشعوب غير واضحة المعالم بعد، وستبقى مثار نقاش داخلي في الفترة المتبقية للانتخابات وبعدها، لكنّ هناك عاملين أساسيين ساعدا الطرفين في التوصل إلى هذا التفاهم.

ـ أولاً، أبدى كمال قليجدار أوغلو تعهّداً واضحاً بمنع إغلاق حزب الشعوب في حال وصلت المعارضة إلى السلطة، كما تعهّد التحالف السداسي في ورقة السياسات المشتركة التي أصدرها بإلغاء نظام الوصي على البلديات ذات الغالبية الكردية والتي عُزل رؤساؤها بسبب اتّهامات لهم بالارتباط بحزب العمال الكردستاني. علاوة على ذلك، وعد التحالف السداسي بالإفراج عن الرئيس السابق المشارك للحزب صلاح الدين ديميرطاش ووافق قليجدار أوغلو ضمنياً على إعادة طرح المسألة الكردية للنقاش الداخلي تحت قبة البرلمان. ويبدو أن صيغة التفاهم كانت مدروسة بعناية لتجنّب أي ارتدادات سلبية على وحدة التحالف السداسي، حيث تضمّنت تخلي الحزب عن تقديم مرشح للرئاسة وتوجيه أصواته الكردية إلى قليجدار أوغلو من دون أن يصل التعاون الانتخابي بينهما إلى حد إشراك حزب الشعوب في التحالف السداسي بالنّظر إلى رفض الحزب الجيد القومي لذلك، ومن دون التعهّد بمنح حقائب وزارية له في الحكومة الجديدة التي ينوي تحالف المعارضة السداسي تشكيلها في حال فوزه بالسلطة. بأي حال قد لا تكون الأهداف التي يتطلع لها حزب الشعوب الديمقراطي تتعلق بمكاسب السلطة بقدر ما هي أيديولوجية مرتبطة بنظرته للمسألة الكردية في الداخل والخارج.

ـ ثانياً، رغم صعوبة التوصل إلى تفاهم متكامل بين قليجدار أوغلو وحزب الشعوب الديمقراطي، إلآّ أن ما يجمع حزب الشعوب مع باقي أحزاب المعارضة الأخرى هو التخلص من حكم أردوغان. ويبدو أن هذا الدافع كان كافياً من جانب لزعيمة الحزب الجيد القومي ميرال أكشنار لمنح غطاء ضمني لقليجدار أوغلو للدخول في تفاهم مع حزب الشعوب ومن جانب آخر كان كافياً لحزب الشعوب لتقديم مطالب واقعية قابلة للتنفيذ وتجنب طرح المطالب الجدلية التي من شأنها شق التحالف السداسي كمسألة إعادة تعريف الدولة التركية في الدستور وتعزيز الحكم الذاتي للمناطق ذات الغالبية الكردية. مع ذلك، ينبغي النظر إلى التفاهم بين قليجدار أوغلو وحزب الشعوب على أنّه مؤقت فرضته الحاجة للتعاون الانتخابي بالدرجة الأولى. بالنسبة لحزب الشعوب، فإنه تبنى براغماتية مربحة في مقاربة المنافسة الانتخابية الحالية. فالبقاء على الحياد سيُعزز فرص أردوغان لإعادة الفوز بولاية رئاسية جديدة، وهو ما يُبقي الحزب الكردي مهمشاً في المعادلة السياسية الداخلية. بينما دعم قليجدار أوغلو، وإن كان مقابل حد أدنى من المطالب التي يُمكن ان يحصل عليها حزب الشعوب، سيُزيل خطر الإغلاق عليه، ويمنحه شرعية سياسية بوجوده كحزب سياسي يُعبر بشكل أكبر عن الحالة الكردية. بهذا المعنى، فإن حزب الشعوب الديمقراطي قارب التفاهم مع قليجدار أوغلو من منظور أن المجهول يبقى أفضل من المعلوم.

مع ذلك، فإن نجاح قليجدار أوغلو في استقطاب أصوات حزب الشعوب يترتب عليه دفع بعض الأثمان. من المرجح أن يدفع التفاهم بين الطرفين بالأصوات القومية في التحالف السداسي إلى الامتناع عن التصويت لقليجدار أوغلو. وتُقدر هذه الأصوات القومية في الحزب الجيد بنحو 5%، وكذلك 3% في حزب الشعب الجمهوري. مع ذلك، يُقارب قليجدار أوغلو التعاون الانتخابي مع حزب الشعوب من منطلق حسابات الربح والخسارة. إذا كانت أصوات حزب الشعوب ستُكلف التحالف السداسي خسارة ما يقرب من 8% من أصوات قاعدته الانتخابية، فإن التعاون الانتخابي مع حزب الشعوب سيجلب له ما يقرب من 11 إلى 13% من الأصوات الكردية. لكنّ المخاطر على التحالف السداسي لا تقتصر فقط على خسارة محتملة لـ 8% من الأصوات القومية. مع أن التعاون الانتخابي بين التحالف السداسي وحزب الشعوب الديمقراطي لم يُتخذ بقرار من التحالف وبدا على شكل تفاهم بين حزب الشعوب وقليجدار أوغلو على وجه التحديد، إلآّ أنّه يُخاطر بأزمة داخل الحزب الجيد القومي قد تؤدي إلى تفككه. السيناريو الأكثر سوءاً على المعارضة هو أن يؤدي دعم الحزب الكردي لقليجدار أوغلو إلى عودة فئة من الناخبين القوميين في الحزب الجيد إلى حزب الحركة القومية الأم. على افتراض أن هذه النسبة قد تصل إلى 5% فهذا يعني أن أردوغان سيرفع نسبة تصويته بين القوميين بنفس النسبة. وبالمثل، قد يؤدي ذلك أيضاً إلى ذهاب 3% من الأصوات القومية في حزب الشعب الجمهوري إلى حزب الحركة القومية وبالتالي زيادة القاعدة التصويتية لأردوغان بين القوميين.

هنا تبرز أهمية السيناريوهات المحتملة لاتجاهات الناخب الكردي عموماً في الانتخابات المقبلة. نجح أردوغان مؤخراً باستقطاب حزب “الدعوة الحرة” الكردي المحافظ. وتترواح القاعدة الشعبية للحزب بين النصف وواحد في المئة من الأصوات، لكنّ أهميته بالنسبة لأردوغان لا تقتصر على هذه النسبة التصويتية فحسب، إذ يُعول عليه من جانب لاسترجاع الأصوات الكردية التي خسرها حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة، ومن جانب آخر لاستقطاب الناخبين الأكراد الأخرين الذين يبجثون عن أفق جديد لإعادة تنشيط الحالة السياسية الكردية ودمجها في السياسة التركية للخروج من المأزق الذي وصلت إليه بفعل هيمنة اليسار الكردي وما سببه من صدام بين الحالة السياسية الكردية والدولة التركية. في ضوء ذلك، فإن التموضع الذي ستُقرره الأحزاب الأخرى التي لم تنضم بعد لأي من التحالفين، سيلعب كذلك دوراً حاسماً في تحديد نتائج الانتخابات. مع الأخذ بعين الاعتبار الديناميكية السريعة والمتحولة لخارطة التحالفات الحزبية في تركيا، فإن الفترة المتبقية للانتخابات قد تشهد بعض التحولات. إلى جانب الموقف المهم لحزب الشعوب الديمقراطي، يعمل كلا التحالفين على محاولة استقطاب الأحزاب الصغيرة التي تحمل توجهات أيديولوجية مشابهة لكل منهما.

يعتقد حزب الشعوب الديمقراطي أن التحالف السداسي، وحتى لو فاز في الانتخابات الرئاسية، غير قادر بأي حال على ممارسة السلطة بشكل واضح من دون غالبية برلمانية. لا تُشير استطلاعات الرأي إلى قدرة التحالف السداسي على الحصول على غالبية برلمانية تُمكنّه من تعديل الدستور، وبالتالي، فإن الحاجة لحزب الشعوب الديمقراطي ستبقى قائمة بعد الانتخابات. ستُساعد هذه الحاجة حزب الشعوب في تحويل تفاهمه الانتخابي مع قليجدار أوغلو إلى تفاهم سياسي أكثر وضوحاً بعد الانتخابات. سيكون لحجم الكتلة البرلمانية التي سيحصل عليها حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات التشريعية أهمية كبيرة في تحديد قوته التفاوضية مع التحالف السداسي. وفي حال كانت هذه الكتلة لازمة للتحالف السداسي لتعديل الدستور، فإن القوة التفاوضية لحزب الشعوب ستكون كبيرة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحزب الجيد القومي سيبقى يُشكل عقبة أساسية أمام أي تعاون مستقبلي بين حزب الشعوب والتحالف السداسي بعد الانتخابات المقبلة، فإن قدرة ميرال أكشنار على تقويض مثل هذا التعاون ستكون محدودة بالنظر إلى الحاجة للتعاون البرلماني مع الحزب. كما ستُصبح أكثر ضعفاً في حال لم يتمكن الحزب الجيد من الحصول على كتلة برلمانية يُمكن أن توازي الكتلة البرلمانية التي سيحصل عليها حزب الشعوب. يبدو ذلك مستبعداً بالنظر إلى أن التعاون الانتخابي بين التحالف السداسي وحزب الشعوب في الانتخابات الرئاسية قد يؤدي إلى تفكك الحزب الجيد وعودة الأصوات القومية فيه إلى حزب الحركة القومية الأم.