يزور رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني هذا الأسبوع تركيا على رأس وفد حكومي لإجراء محادثات مع المسؤولين الأتراك حول مختلف جوانب العلاقات الثنائية. لكنّ الزيارة ستُركز بشكل أساسي على قضيتين رئيسيتين لطالما كانتا سبباً للتوترات بين أنقرة وبغداد خصوصاً خلال العقدين الماضيين وهما مكافحة الإرهاب ومسألة المياه. في حين أن العلاقات الثنائية كانت مستقرة نسبياً في عهد نظام الرئيس الراحل صدام حسين، فإنها لم تكن كذلك على الإطلاق بعد الإطاحة به. أدى انهيار الوضع الأمني في العراق بعد الغزو الأمريكي في عام 2003 وفشل جهود إعادة بناء الدولة إلى إضعاف قدرة الحكومة المركزية في بغداد في الحد من نشاط حزب العمال الكردستاني المُصنّف إرهابياً في تركيا في شمال العراق وهو ما فاقم من التحديات الأمنية على تركيا من الطرف الجنوبي من الحدود. كما دفع التأثير الإيراني على الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 ببغداد إلى تبني خطاب مُتشدد إزاء العمليات العسكرية التركية ضد متمردي حزب العمال في شمال العراق.

تكتسب زيارة السوداني لتركيا أهمية على أكثر من صعيد. فمن جانب، يسعى رئيس الوزراء العراقي إلى إقامة علاقات ودية مع دول الجوار مثل تركيا والمحيط العربي لتكريس دور بغداد كدولة تقف في الوسط بين مجموعة من المنافسين الإقليميين. ومن جانب آخر، يُريد السوداني تشكيل قاعدة جديدة في العلاقات مع تركيا ترتكز بشكل أساسي على أولوية المصالح والمنافع المتبادلة في مجالات الأمن والتجارة والمياه بحد أدنى من التأثير الإيراني على خيارات بغداد والذي قوض في العشرين عاماً الماضية فرص إقامة علاقات ودية بين تركيا والعراق. في المقابل، ينظر الأتراك باهتمام إلى زيارة السوداني لإخراج العلاقات من دائرة التوترات. إن إحداث تحول في العلاقات بين البلدين من التوتر إلى التعاون يكتسب أهمية بالغة لكليهما في الوقت الذي تعمل فيه الديناميكية المتحولة للسياسات الإقليمية على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الإقليمية. يبدو العراق في قلب هذه التحولات. لن تقتصر فوائد العلاقات الجيدة بين تركيا والعراق على نواحي الأمن والاقتصاد والمياه، بل تتعدى ذلك إلى رغبة العراقيين بانخراط تركي أكبر في جهود إعادة إعمار البلاد بعد عشرين عاماً من الغزو الأمريكي. من هذا المنظور، تُشكل العلاقات التجارية بين البلدين، والتي تجاوزت العشرين مليار دولار أمريكي في السنوات الأخيرة، عامل جذب للطرفين على حد سواء.

مع ذلك، فإن إحداث استقرار في العلاقات التركية العراقية بعد سنوات من الاضطرابات يستوجب خلق بيئة سياسية مناسبة لتعزيز الحوار في القضايا الخلافية وعلى رأسها مكافحة الإرهاب والتعاون بشكل فعال في مسألة المياه. وتُعول حكومة السوداني على انفتاحها على إقامة علاقات ودية مع تركيا من أجل حل مشكلة المياه التي يُعانيها العراق بشكل متزايد كنتيجة لانخفاض منسوب نهري دجلة والفرات الذين ينبعان من تركيا. لطالما اتهمت بغداد تركيا وإيران ببناء سدود تتسبب بخفض مستوى المياه الذي يصل العراق من النهرين، لكنّ الأمر ازداد سواءاً مع تراجع الأمطار وصولا إلى انعدامها خلال السنوات الثلاث الأخيرة وسوء استخدام المياه. بقدر أهمية التعاون بين دول المنطقة (تركيا، العراق، إيران، وسوريا) للحد من أزمة الجفاف، فإن الجانب الأكبر من مشكلة المياه لدى العراق يكمن بشكل أساسي في قنوات الري التقليدية وعدم وجود سياسات حديثة للتعامل مع المياه بما يُحد من تأثير ندرتها. لوّحت الحكومات العراقية السابقة عدة مرات باللجوء إلى المؤسسات الدولية للحصول على حقوقها المائية من إيران وتركيا وفقا لاتفاقيات تقاسم المياه، لكنها لم تخط أيّ خطوة نحو تدويل الملف.
عندما نقارن سياسات المياه العابرة للحدود لإيران وتركيا، نجد أن الأولى قد قطعت بشكل كبير تدفق النهر من أراضيها نحو العراق ، مما أدى إلى الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة من المياه داخل حدودها. ومع ذلك، لا تتبع تركيا سياسات مائية عابرة للحدود مماثلة. في الواقع، تحتفظ تركيا بمستويات عالية من المياه داخل الحدود ولكنها تسمح أيضًا بالتدفق خارج حدودها. دفع الحظر الاقتصادي المفروض على إيران بعد “الثورة الإسلامية” عام 1979 النظام الإيراني إلى التركيز على سياسات زراعية مكتفية ذاتيًا. أدى هذا إلى زيادة الطلب الزراعي على الري، مما دفع الحكومة الإيرانية إلى تحويل مجاري الأنهار بعيدًا عن الحدود العراقية من خلال بناء المزيد من السدود مما أدى إلى تخزين المياه على نطاق واسع في العراق.

على العكس من ذلك، تبدو مشكلة الأمن بين تركيا والعراق أكثر تعقيداً بالنظر إلى تداخل مجموعة من العوامل فيها. تسبب انهيار نظام صدام حسين بعد الغزو الأمريكي بتفاقم معضلة حزب العمال الكردستاني بالنسبة لتركيا، وهو ما دفعها لزيادة نشاطها العسكري في شمال العراق وإقامة العديد من القواعد العسكرية في المنطقة. على الرغم من أن بغداد نددت باستمرار بالنشاط العسكري التركي في شمال العراق، إلآّ أن عجزها في تقييد نشاط حزب العمال الكردستاني في المنطقة ساهم في زيادة التوترات مع تركيا. ومع أن أنقرة وبغداد لديهما مصلحة مشتركة في التعاون لمكافحة نشاط حزب العمال الكردستاني، إلآّ أن التأثير الإيراني على بغداد حال دون تحقيق تعاون فعال بين تركيا والعراق في هذه المسألة الحيوية. مع أنه لدى تركيا وإيران هواجس تاريخية مشتركة إزاء النشاط الكردي المسلح الانفصالي على أراضيهما وفي العراق وسوريا، إلآّ أنّ طهران تنظر إلى الدور التركي في العراق على أنّه منافس لها. وبالتالي، لم تتردد طهران في استخدام ورقة حزب العمال الكردستاني في بعض الأحيان لإضعاف فعالية العمليات العسكرية التركية في شمال العراق.

في عام 2020، وقعت بغداد وأربيل اتفاقية لتحقيق الاستقرار في قضاء سنجار وإخراج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من المنطقة، لكن التحالف بين التنظيم وفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران حال بشكل أساسي دون تطبيق الاتفاقية. حتى قبل سيطرة تنظيم داعش على سنجار في عام 2014، كانت المنطقة رهينة المواجهة بين الحكومة الفيدرالية في بغداد وحكومة إقليم كردستان العراق بسبب وضعها كأرض متنازع عليها. لكنّ الوضع تغير في عام 2017، بعد عودة القوات العراقية إلى المنطقة. تجد سنجار نفسها بشكل متزايد في قلب المنافسة بين تركيا وإيران. عندما انسحب مقاتلو الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 2017، فقدت تركيا – التي تتعاون مع الحزب في قتال حزب العمال الكردستاني – شريكها الرئيسي على الأرض في سنجار. وبالتالي صعدت الضربات الجوية التي كانت تشنها بالفعل على مخابئ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. وجد الحشد وحزب العمال الكردستاني (مع التنظيمات التابعة له) أرضية مشتركة في مواجهة تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني لإيجاد ملاذ آمن في شمال العراق.

غيّرت الحرب على داعش ديناميكيات القوة في جميع مناطق العراق التي تمت استعادتها من التنظيم، لا سيما في المناطق المتنازع عليها. إحدى الديناميكيات الرئيسية هي التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني، والذي قلبته الحرب لصالح الأخير. لقد عمل الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يرى حزب العمال الكردستاني، مثل تركيا، على أنه تهديد، منذ فترة طويلة عن كثب مع أنقرة لقمع قدرات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. لكنّ دخول الحشد الشعبي إلى شمال غرب العراق أدى إلى زيادة تعقيد الصراع على الأراضي المتنازع عليها. منذ ذلك الحين، حافظ الحشد على علاقة استراتيجية متبادلة المنفعة مع حزب العمال الكردستاني، تمتد عبر العراق وسوريا من خلال تقاسم الغنائم، لا سيما التهريب عبر الحدود. يستفيد الحشد من تنسيق حزب العمال الكردستاني للتجارة غير المشروعة مع وحدات حماية الشعب في سوريا. وفي الوقت نفسه، توفر سنجار لحزب العمال الكردستاني ملاذًا آمنًا إضافيًا، حيث تقوم ببناء نوع من الجسر البري بين قواعده في أماكن أخرى في شمال العراق وسوريا.
إن العلاقات مع الحشد الشعبي هي التي دفعت حزب العمال الكردستاني إلى المعسكر الموالي لإيران في المنطقة. كان الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع إيران على عكس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكذلك مع بعض مجموعات الحشد الشعبي، هو الوسيط لهذه العلاقة الجديدة. لقد ساعد حزب العمال على إقامة روابط مع الحشد الشعبي منذ عام 2014، مما مهد الطريق لتعاونهم في وقت لاحق في سنجار. يسلط وضع سنجار الضوء على كيفية التقارب والصراع بين مصالح إيران وتركيا في العراق وأيضاً الأهداف المتباينة للطرفين في الشراكة مع الفصائل الكردية المتنافسة. بينما دخلت تركيا في شراكة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، كانت هذه العلاقة محدودة جزئيًا لأن أنقرة لا تريد أن يستغل الحزب الديمقراطي الدعم التركي في محاولة ناجحة للاستقلال. بينما تحتاج تركيا إلى الحزب الديمقراطي لمساعدتها في محاربة حزب العمال بما في ذلك فرعه في سنجار، فإنها تسعى للحد من قوة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وخاصة في كركوك. على هذه الخلفية، تفترض تركيا أن تقارب إيران مع حزب العمال الكردستاني له حدود، معتقدة أن طهران ستتعاون مع حزب العمال الكردستاني لتأمين ممر بري إيراني يمر عبر العراق وسوريا، ولكن ليس لدعم تطوير نظام حكم ذاتي يمكنه يؤدي إلى الاستقلال الكردي في أي من هذه الأماكن.