لما يقرب من عقد ونصف، كانت سوريا ساحة لصراع نفوذ إقليمي – ودولي محموم ومُتعدد الأطراف والاتجاهات. إن الإطاحة بحكم الديكتاتور المخلوع بشار الأسد تطوي حقبة عقود طويلة من حكم حزب البعث وآل الأسد وتُطلق العنان لعملية تحول قد لا تتضح آفاقها ومساراتها في المستقبل المنظور، لكنّها تُحدث تحوّلاً جذرياً في ميزان التنافس الخارجي. حقيقة أن تركيا كانت من أوائل الدول التي سارعت إلى الترحيب بهذا التحول وأوفدت مدير مخابراتها إبراهيم قالن ثم وزير خارجيتها هاكان فيدان إلى دمشق للقاء القائد الجديد الفعلي لسوريا أحمد الشرع، تعكس إلى حد كبير شعورها بنشوة الانتصار بعد انخراط طويل الأمد صُمم في البداية لإسقاط نظام الأسد وتحدى أدوار ومصالح العديد من القوى الخارجية الفاعلة في الصراع مثل روسيا وإيران والولايات المتحدة.
إن الفرص التي يجلبها التحول السوري لتركيا واضحة وتتجاوز أهميتها تأمين مصالحها الحيوية في سوريا إلى تعظيم حضورها المتصاعد في الشرق الأوسط كوسيط للقوة والاستقرار. مع ذلك، فإن هذه الفرص مصحوبة أيضاً بتحديات جسيمة. لقد ترك بشار الأسد بلداً مُحطماً إلى حد لا يُمكن تصوّره وهو ما يُضاعف من حاجة أنقرة إلى البحث عن قصة نجاح كبيرة في الإقليم. قد لا تبدو الفوائد المتصورة لتركيا من سوريا الجديدة واضحة بشكل كامل بعد، لكنّ مخاطر الفشل أكثر وضوحاً. إلى جانب العواقب الأمنية والجيوسياسية الهائلة لفشل مُحتمل في التحول السوري على تركيا، فإن عدم تأسيس حكومة قوية في دمشق قادرة على معالجة التحديات الفورية والبعيدة المدى مثل استعادة سيادة الدولة على كافة أراضيها وتشكيل عقد اجتماعي جديد والشروع في عملية إعادة الإعمار والحصول على الدعم الدولي المشروط بالإصلاح السياسي وبتحقيق المبادئ العريضة التي حددتها العديد من دول العالم، قد يؤدي إلى سوريا أكثر خطورة على تركيا من سوريا السابقة.
كما أن هاجس تركيا من تفكك سوريا وتعزيز مشروع الحكم الذاتي الكردي وتحول البلاد إلى ساحة صراع جديد للنفوذ الإقليمي والدولي سيتصاعد في حال فشل التحول. من بين الأولويات الرئيسية التي يجلبها التحول السوري لأنقرة إعادة تشكيل صراعها مع الوحدات الكردية بطريقة تؤدي إلى تدمير مشروع الإدارة الذاتية. ومن الواضح أن هذا التحول يوسع الهامش المُتاح أمام أنقرة لتحقيق هذا الهدف ويُعزز قدرتها على التفاوض مع الإدارة الأمريكية المقبلة بقيادة الرئيس دونالد ترامب لتسوية تؤدي إلى انسحاب الولايات المتحدة من شمال شرق البلاد وتخليها عن علاقتها بالوحدات. مع ذلك، فإن النفوذ القوي، الذي تمتلك واشنطن للتأثير على سياقات التحول السوري والمتمثل في ورقة العقوبات المفروضة على سوريا، يفرض على أنقرة الموازنة بين الفرص المتصورة التي يجلبها التحول لتعزيز حضورها السوري، وبين الحاجة إلى تحقيق مواءمة في مصالحها مع واشنطن في إدارة التحول السوري.
وتبرز قضية إعادة اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا كأولوية ثانية مُلحة على أجندة أنقرة السورية. إن التخلص من نظام الأسد يوفر عنصراً من بين عناصر مُتعددة لعودة اللاجئين، لكنّه لا يكفي وحده لمعالجة هذا الملف. سيكون التعاون مع الغرب لتفكيك منظومة العقوبات الغربية على سوريا من أجل إنقاذ الاقتصاد السوري ومع الدول العربية الغنية التي يُتصور أن تلعب دوراً محورياً في تمويل جهود الإعمار بوابة رئيسية أمام أنقرة لتعظيم فرص نجاح سياستها السورية. وسيتعين على أنقرة التعامل مع هواجس بعض الدول العربية إزاء الصبغة الإسلامية الواضحة للسلطة الجديدة في سوريا، لتحفيزها على التفكير في مزايا الانخراط في رعاية عملية التحول السوري وتقديم الدعم له. وتُعظم العلاقات الجيدة التي أسستها أنقرة مع القوى العربية الفاعلة في السنوات الأخيرة إلى جانب حاجة العالم العربي إلى نجاح التحول السوري أقله من منظور تجنب العواقب المترتبة على فشله، من فرص حدوث انسجام في السياسات التركية والعربية في سوريا.
بعد أربعة عشر عاماً من سياق سوري جلب الكثير من المخاطر والتحديات على تركيا وأظهرها كقوة إقليمية غير قادرة على توجيهه وعلى تشكيل سياسة متماسكة ومُستدامة، تُقدم سوريا اليوم فرصة للرئيس رجب طيب أردوغان لتحقيق قصة نجاح إقليمي بارزة. ومن المؤكد أن هناك الكثير الذي يُمكن أن تُقدمه أنقرة للسوريين لإنجاح عملية العبور نحو الدولة الجديدة. والروابط القوية التي تُقيمها مع مُختلف الفصائل السورية بما فيها فصائل الجيش الوطني وبدرجة أقل هيئة تحرير الشام والنموذج الذي قدّمته في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في شمال غرب البلاد وحاجة العالم إلى دورها لتقليص مخاطر التحول السوري، تُعطي أنقرة وسائل قوية للمساهمة في توجيه عملية التحول الانتقالي. وستتوقف قدرة تركيا على تحقيق نجاح سوري بدرجة أساسية على براعتها في التعامل مع التعقيدات الداخلية السورية وفي التأثير على هيئة تحرير الشام لتعزيز نهجها الاعتدالي الجديد، وكذلك في دفع المجتمعين الإقليمي والدولي إلى تبني نهج متماسك يُساهم في تعزيز فرص نجاح التحول السوري.