ديناميكيات جديدة في السياسة الداخلية التركية

تظهر الديناميكيات الجديدة في السياسة الداخلية التركية على أنها مناورة تكتيكية لكل من أردوغان وزعيم حزب “الشعب الجمهوري” المعارض أوزغور أوزيل لتحقيق أهداف مُختلفة. ويُدركان أن هذه المناورة تتطلب تنازلات قد تكون مؤلمة لكليهما.

لم تعتد تركيا منذ فترة طويلة على سياسة داخلية محدودة الاستقطاب بالشكل الذي أفرزه في الآونة الأخيرة الخطاب التصالحي نسبياً بين قُطبيها حزبا “العدالة والتنمية” الحاكم و”الشعب الجمهوري” المعارض. مع ذلك، من المفيد التذكير بأن السياسة المُستقطبة، التي اتّسم بها حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، لم تكن نتيجة المنافسة السياسية مع معارضيه حتى تختفي ببساطة بمُجرد بروز هذا الخطاب، بل تستمد قوتها من عوامل مُترسخة في السياسة الداخلية مثل الانقسام المجتمعي العميق بين المحافظين والعلمانيين وصراع الهويات بين الأحزاب السياسية، والحالة الكردية بشقيها السياسي والعسكري، والانقسام الداخلي العميق على الهوية الجيوسياسية لتركيا. قد تؤدي الديناميكيات الجديدة إلى تخفيف حدّة الاستقطاب الداخلي، لكنّه من غير المتصور أن تُحدث تغييراً جذرياً على السياسة الداخلية أقلّه في الفترة المتبقية من ولاية أردوغان التي تنتهي في عام 2028.

بالنظر إلى أن هذه الديناميكيات ظهرت بعد نجاح أردوغان في الاحتفاظ بحكمه في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت العام الماضي ثم الفوز الهائل لحزب “الشعب الجمهوري” المعارض في الانتخابات المحلية التي جرت في مارس آذار الماضي، فهي تُفسر كيف أنها تُصمم بدرجة أساسية كمناورة لقُطبي السياسة الداخلية لتحقيق أهداف مُختلفة. لم تقتصر آثار الهزيمة الكبيرة، التي مُني بها حزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات المحلية على إعادة تشكيل الخريطة السياسية الحزبية فحسب، بل خلقت أيضاً ديناميكيات جديدة في السياسة الداخلية تعمل على نقلها من حقبة الاستقطاب الحاد، الذي اتّسمت به طيلة العقد الثاني تقريباً من حكم أردوغان، إلى حقبة التطبيع بين قُطبيها. ومع أن هذه الديناميكيات تظهر كأثر مباشر للانتخابات المحلية، إلآّ أنها امتدادا أيضاً للانتخابات العامة. وحقيقة أن أردوغان استطاع في العام الماضي مدّ حكمه لخمس سنوات إضافية، لكنّ حزبه فقد السيطرة على الحكم المحلي لصالح أكبر أحزاب المعارضة بعد أقل من عام، كانت حاسمة في تشكيل هذه التحولات. مع ذلك، فإن انخراط الحزبين في عملية التطبيع، يستمد قوته بدرجة أساسية من حاجة كليهما لها بقدر أكبر من قناعتهما بأن السياسة المُستقطبة لم تعد تصلح لإدارة المنافسة السياسية الداخلية. 

فمن جانب، لم تعد السياسة المُستقطبة تعمل كعنصر قوي في تعزيز هيمنة أردوغان وحزبه على السياسة الداخلية. والانتخابات المحلية الأخيرة أظهرت أن هذه السياسة بدأت تجلب تكاليف باهظة على أردوغان تفوق الفوائد التي كانت تجنيها في السابق. إن دافعاً أساسياً من دوافع انفتاح أردوغان على زعيم حزب “الشعب الجمهوري” أوزغور أوزيل، يتمثل في الاستراتيجية التي صمّمها بعد هزيمة الانتخابات المحلية للتعافي من آثارها. ولأن الاستقطاب الداخلي كان سبباً من أسباب هذه الهزيمة، فإن تخفيض هذا الاستقطاب يندرج ضمن هذه الاستراتيجية. علاوة على ذلك، تتمثل إحدى أولويات أردوغان في الولاية الرئاسية الثالثة له في العمل على صياغة دستور جديد مدني بالكامل والتخلص من الدستور الذي أعدّه انقلاب عام 1980. لكن موازين القوى في البرلمان الحالي لا تُساعد التحالف الحاكم على تمرير مشروع الدستور الجديد. وهنا يظهر الدافع الثاني لأردوغان في الانفتاح على حزب “الشعب الجمهوري” وهو التعاون مع المعارضة لتمرير مشروع الدستور الجديد. أما الدافع الثالث، فيتمثل في حاجة أردوغان إلى خلق حالة سياسية جديدة أقل استقطاباً تُساعده في التركيز على معالجة التحديات الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها البلاد. 

ومن جانب آخر، يسعى أوزغور أوزيل من خلال الانفتاح على أردوغان إلى تعزيز زعامته الجديدة على حزب “الشعب الجمهوري” عبر وضع بصمته الخاصة في تشكيل علاقة الحزب مع الحكومة، والتخلص من نهج أسلافه في معارضة أردوغان من أجل المعارضة فحسب. ومع أن أوزيل أكّد زعامته الجديدة لحزب “الشعب الجمهوري” بعد قيادته إلى تحقيق نصر تاريخي له في الانتخابات المحلية، إلآّ أنّه نُظر إليه منذ توليه زعامة الحزب وحتى الانتخابات الأخيرة على أنه مُجرد وسيلة لقياديين آخرين طموحين في الحزب مثل رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو للتخلص من زعامة كمال قليجدار أوغلو. وبهذا المعنى، فإن أوزغور يتطلع من خلال نهجه الجديد مع أردوغان إلى تحجيم تأثير إمام أوغلو في سياسة حزب “الشعب الجمهوري” وفي السياسة العامة. علاوة على ذلك، فإن أحد الشروط الرئيسية لنجاح حزب “الشعب الجمهوري”  في تجربة الحكم المحلي تتطلب مثل هذا الانفتاح على الحكومة المركزية القادرة على إفشال هذه التجربة. وفي ضوء ذلك، تظهر أن عملية التطبيع بين قُطبي السياسة الداخلية مُصممة لتحقيق المنافع المتبادلة لكل من أردوغان وأوزيل بدرجة أساسية. 

من المتصور أن عملية التطبيع الجديدة في السياسة الداخلية ستجعل الولاية الرئاسية الثالثة لأردوغان أكثر إنتاجية وأقل تكاليف على ثلاثة مستويات: الأول خلق أفاقاً أمام إمكانية تعاون الحكومة والمعارضة في مشروع الدستور الجديد دون الحاجة إلى منافسة انتخابية جديدة تُعيد الاستقطاب الداخلي إلى ما كان عليه قبل عملية التطبيع. والثاني، تحقيق تعاون بين الحكم المركزي والحكم المحلي لتقويض قدرة التعارض في السلطتين على تجميد السياسة الداخلية وعلى تلبية الاحتياجات الإنمائية للمدن والبلديات التي هيمن عليها حزب الشعب الجمهوري.  والثالث توظيف التطبيع لخلق بيئة سياسية مستقرة تُساعد في إنجاح خطة التعافي الاقتصادي في السنوات المتبقية من رئاسة أردوغان. وحتى في الوقت الذي تتفوق فيه المنافع المتبادلة في الانفتاح بين حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري على النضوج في الممارسة السياسية، فإنه لم يعد بإمكان الحزبين تجاهل أن خيارات الناخب التركي في الانتخابات العامة والمحلية على حد سواء أظهرت أن الأتراك سئموا من حقبة الاستقطاب الداخلي وبأنهم يُريدون سياسة داخلية جديدة ترتكز على مفهوم التعاون بين قُطبي الحياة السياسية. 

 قد لا يصمد الانفتاح بين الحزبين طويلاً، لكنّ استمراره يتوقف أولاً على قدرته في التغلب على تعقيدات السياسة الداخلية وثانياً على قدرة أردوغان وأوزيل في مواصلة إدارة علاقتهما الجديدة من منظور المنافع المتبادلة. وهنا تبرز عملية المنافع المتبادلة كركيزة أساسية في عملية التطبيع. وقد مهّد اللقاء الأول بين أردوغان وأوزيل الطريق أمام بدء عملية المقايضة في بعض القضايا من خلال إصدار أردوغان مرسوماً بالعفو عن بعض الجنرالات المسجونين منذ عقود طويلة بسبب ضلوعهم في إطاحة الجيش بحكومة رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان. وكان هذا من ضمن مجموعة من المطالب التي عرضها أوزيل على أردوغان. مع ذلك، فإن الملف الأبرز في هذه العملية وهو التعاون في كتابة دستور جديد يواجه عقبات كبيرة. وقد استبعد أوزيل مؤخراً بدء محادثات مع أردوغان بهذا الخصوص، لكنّه لا يسعى لقطع الطريق على إمكانية التعاون في هذه القضية بقدر تعزيز موقفه في عملية المقايضة للحصول على أقصى قدر من المكاسب. في نهاية المطاف، يُدرك كل من أردوغان وأوزيل أن نهج التطبيع يتطلب تنازلات قد تكون مؤلمة لكليهما، لكنّ خيار لا مفر منه إذا ما رغبا في الاستفادة من مزايا التحول التكتيكي في السياسة الداخلية. 

إقرأ أيضاً: